فخر الدين الرازي
7
تفسير الرازي
في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة ، فأولها ما ذكره في هذه الآية ، وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية . وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم ، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسر العباس يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم ، وأغلظ له علي . وقال : ألكم محاسن . فقال : نعمر المسجد الحرام . ونحجب الكعبة . ونسقي الحاج . ونفك العاني ، فأنزل الله تعالى رداً على العباس * ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) * . المسألة الثانية : عمارة المساجد قسمان : إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال : فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه ، وإما بالعمارة المعروفة في البناء ، فإن كان المراد هو الثاني ، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد . وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظماً والكافر يهينه ولا يعظمه ، وأيضاً الكافر نجس في الحكم ، لقوله تعالى : * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى : * ( أن طهرا بيتي للطائفين ) * ( البقرة : 125 ) وأيضاً الكافر لا يحترز من النجاسات ، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد ، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين . وأيضاً إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الأنعام على المسلمين ، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( أن يعمروا مسجد الله ) * على الواحد ، والباقون * ( مساجد الله ) * على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو . وقوله : عمارة المسجد الحرام . وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه : الأول : أن يراد المسجد الحرام . وإنما قيل : مساجد . لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد . والثاني : أن يقال : * ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) * معناه : ما كان للمشركين أن يعمروا شيئاً من مساجد الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها . الثالث : قال الفراء : العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد . أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم . وأما وضع الجمع مكان الواحد . ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد . الرابع : أن المسجد موضع السجود ، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد . المسألة الرابعة : قال الواحدي : ذلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين ، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد ، وإن دخل بغير إذن